قال الله تعالى في سورة الحديد: )لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (. صدق الله العظيم.
إن المتمعن في هذه الآية يلاحظ أن الحديد هبط إلى الأرض ولم ينشأ منها والدليل قوله تعالى (وأنزلنا الحديد) فما أين أتى الحديد ؟ هذا ما سوف نناقشه في البحث التالي.
يقرر علماء الفلك أن الكون الحالي الذي نراه ونسبر أغواره بالتقنيات والأجهزة الحديثة قد تطور من حالة بدائية لم يكن فيها غير الإيدروجين والهيليوم على شكل سحب هائلة تملأ فراغ الكون منذ فترة من الزمن تقدر بحوالي 10 إلى 20 بليون سنة، ثم أخذ هذه السُحب في التكثف لتكون النجوم التي تنتظم في مجاميع هائلة تسمى المجرات، والنجوم هي الأفران الكونية التي يتم فيها طبخ المادة الأولية للكون، وهي الإيدروجين، لإنتاج عناصر الكون الأخرى، وهي أيضاً مصدر الإشعاعات في هذا الكون. وبمجرد ظهور النجم، أو قل ولادته، يمر بدورة حياة تنتهي بوفاته طالت أم قصرت.
وتبدأ هذه الدورة بولادة النجم من أحد السدم الغازية وتنتهي بوفاته وتحوله إلى رفات على هيئة واحد من الأجسام الغريبة المتناثرة في الفضاء، وما بين الولادة والوفاة تمر النجوم بدورة تختلف في تفاصيلها حسب كتلة النجم، أي: كمية المادة المركزة فيه، وقد تأخذ هذه الدورة وقتاً قصيراً في حدود المليون سنة، وقد تطول ليصل عمر النجم إلى بلايين أو آلاف البلايين من السنين، الغريب في الأمر أنه كلما كبرت كتلة النجم كلما قل عمره، وزادت أحداث حياته عنفاً، وكلما صغرت كتلة النجم كلما زاد عمره وقل عنف الأحداث التي يمر بها. وقد أمكن دراسة هذه الدورة من دراسة الشمس أولاً ومن دراسة بعض النجوم الأخرى التي تستطيع تليسكوباتنا أن تكشف تفاصيلها، فعملية ولادة النجوم عملية مستمرة منذ أن خلق الله الكون في البداية إلى الآن، ولذلك يحوي الكون نجوماً بكتل مختلفة وبأعمار مختلفة منها يمكن معرفة مراحل التطور المتتالية للنجوم حسب كتلتها. وتعتبر الشمس نجماً متوسطاً من ناحية الكتلة، فكتل النجوم التي ترصدها التليسكوبات تتراوح من حوالي خمس كتلة الشمس إلى خمسين ضعف كتلتها، كذلك فإن الشمس تمر الآن بمنتصف عمرها، فهذا العمر يقدر بحوالي عشرة بلايين سنة، انقضى منها حوالي خمسة حتى الآن وباقي خمسة أخرى.
تبدأ أول بادرة ميلاد نجم يتجمع عدد من ذرات الإيدروجين نتيجة اصطدامها ببعضها في لحظة واحدة، وتبين الحسابات الفلكية أن مثل هذا الحدث شائع في جميع أجزاء الكون نتيجة الحركة الدائبة للذرات في السحب الكونية. وبمجرد تكون مثل هذا التجمع من الذرات يصبح له مجال جاذبي يعمل على جذب مزيد من الذرات إليه، وبالتالي: تزيد شدة هذا المجال الجاذبي فيجذب إليه مزيداً من الذرات وهكذا ينمو هذا التجمع باستمرار وتزيد كتلته بالتدريج إلى أن تصل إلى مقدار هائل ليصبح نجماً وليداً، ويقدر علماء الفلك أن ذلك يستلزم تجمع عدد من الذرات، في حدود حوالي 10 57 ذرة. وهذا رقم لا يوجد شيء على الأرض يضارعه، فلو قدرنا عدد حبيبات الرمال الموجودة في الأرض كلها فلن تزيد عن 10 25 ولو حسبنا عدد النيوتورنات والبروتونات الموجودة على سطح الأرض كلها فلن تزيد عن 10 51 وهذا العدد تبلغ كتلته حوالي 10 33 جرام؛ أي: حوالي نصف كتلة الشمس، أي: أن التجمع الذري لا يعتبر نجماً وليداً إلا إذا وصلت كتلته إلى حدود كتل النجوم وتفرض القوانين الفيزيائية على النجم الوليد أن يدور حول نفسه وينكمش حجمه بتأثير اندفاع الذرات، وسقوطها نحو مركزه، وهو أقوى نقطة للجاذبية فيه، ويؤدي ذلك إلى ارتفاع درجة الحرارة في المركز بالتدريج، وكلما ازداد اندفاع الذرات نحو المركز وانضغاطها فيه كلما ازدادت قوة الجاذبية وارتفعت درجة الحرارة فيه إلى أن تصل إلى عشرة ملايين درجة مئوية، وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها النجم الوليد إلى نجم حقيقي أو نجم يافع ( ناضج ) ويبدأ في إنتاج الطاقة في نقطة المركز؛ فعند وصول درجة الحرارة إلى عشرة ملايين درجة مئوية تتحرر نويات الإيدروجين من الكتروناتها ويصبح تصادمها من القوة بحيث تندمج كل أربعة بروتونات مع بعضها، وتقتنص الكترونين من الالكترونات المحررة وتتحول إلى نواة هيليوم تتكون من برونونين (العدد الذري للهيليوم = 2 ) ونيروترونين، وتنطلق طاقة التفاعل الاندماجي، أي: يبدأ الهيدروجين في الاحتراق ويتحول إلى هيليوم وتبدأ مرحلة النجم الحقيقي، فالتجمع الغازي لا يسمى نجماً قبل بداية التفاعل النووي الاندماجي الذي ينتج الطاقة ويطبخ العناصر كما سنرى، ولذلك سمي ذلك التجمع نجماً وليداً. ومنذ هذه اللحظة يعيش النجم في توازن بين قوة الجاذبية التي تعمل على انكماشه وتدافع مادته نحو المركز وبين الضغط الشديد المتولد بداخله نتيجة التفاعل الاندماجي والذي يعمل على معادلة قوة الجاذبية نحو المركز، فعندما تقل شدة التفاعل النووي داخل النجم تتغلب قوة الجاذبية على الضغط الداخلي وتؤدي إلى انكماش النجم وزيادة الاندفاع نحو المركز الذي تزداد فيه درجة الحرارة إلى أن يعود التفاعل الاندماجي إلى شدته فيولد الضغط الذي يعادل قوة الجاذبية، أما إذا تصاعد التفاعل النووي بشدة فإن الضغط المتولد قد يزيد على قوة الجاذبية فيتمدد النجم ويزيد حجمه زيادة كبيرة. وتسير الأمور على هذا المنوال إلى أن يصل النجم إلى أواخر حياته وينفد وقوده النووي وتتوقف التفاعلات الاندماجية بداخله وتنتصر قوة الجاذبية في النهاية وتعمل على انكماش النجم بقسوة بالغة لا توجد الكلمات التي تعبر عنه حتى يختفي من الوجود تماماً أو يتحول إلى واحد من الأجرام الضئيلة الباردة المتناثرة في أرجاء الكون الفسيح. وتختلف تفاصيل وعنف الأحداث التي يمر بها النجم كذلك الفترة الزمنية التي تستغرقها حياته على كتلته عند مولده، وعلى هذا الأساس يمكن تمييز النجوم إلى صغيرة ومتوسطة وكبيرة تتشابه في مولدها ولكنها تختلف كثيراً في حياتها ومماتها، تماماً مثل البشر.
أ ـ النجوم الصغيرة:
وهي النجوم التي تبلغ كتلة الواحد منها أقل من نصف كتلة الشمس تقريباً، فهذه عندما تصل درجة الحرارة في مركزها إلى 10 مليون درجة مئوية، يبدأ فيها تكون الهيليوم من اندماج نويات الإيدروجين ويستمر هذا التفاعل في إنتاج الحرارة، ويبقى النجم طيلة مرحلة النضوج في توازن بين قوة الجاذبية التي تعمل على انكماشه وقوة الضغط الداخلي الناشىء في لب النجم نتيجة التفاعل النووي الاندماجي فيظل حجم النجم ثابتاً وإشعاعه ثابتاً لفترات تصل لبلايين السنين. ولكن عند استنفاد الإيدروجين الموجود في اللب يتوقف التفاعل النووي الاندماجي ويقل الضغط الداخلي الذي كان يقاوم الجاذبية التي تربح الجولة الأخيرة، وتؤدي بالنجم إلى الانكماش في الحجم وبداية رحلة الفناء، فيصغر حجم النجم إلى أن يصل إلى حجم الكرة الأرضية أو أقل، وتزداد كثافته زيادة هائلة حتى أن وزن السنتيمتر المكعب من مادته يعادل وزن خمسين طناً على سطح الأرض! وهنا يدخل النجم مرحلة الاحتضار فيظل حجمه ثابتاً ويشع الطاقة المخزونة فيه منذ مرحلة نضوجه السابقة ويرى في التليسكوب على هيئة جرم صغير يسطع بضوء أبيض ويسمى في هذه الحالة قزماً أبيض، وفي النهاية بعد أن تنفد طاقته المخزونة يأفل لمعانه بالتدريج ويتحول إلى قزم أسود بارد يتوارى عن الأنظار.
ب ـ النجوم المتوسطة:
وهي النجوم التي تتراوح كتلتها ما بين نصف كتلة الشمس وثلاثة أضعاف كتلتها تقريباً. وفي هذه النجوم تسير الأحداث أولاً مثل النجوم الصغيرة، ولكن بعد استنفاد الإيدروجين في اللب وتحوله إلى هيليوم تكون درجة الحرارة في الغلاف الذي يحيط باللب قد وصلت إلى 10 مليون درجة مئوية فيبدأ هذا الهيدروجين في الاحتراق من الداخل إلى الخارج، ويؤدي هذا الاحتراق النووي إلى تمدد الغلاف بدرجة كبيرة حتى يصل قطره إلى عدة آلاف من المرات مثل قطر النجم الأصلي، ويتحول النجم من نجم عادي إلى نجم مارد (giant star) ويطلق عليه أحياناً اسم المارد الأحمر (red giant) حيث إن إشعاعه يكتسب لوناً أحمر، ويقدر للشمس أنها ستصل إلى هذه المرحلة بعد حوالي 5 بلايين سنة، وعندئذٍ سيصل تمددها إلى أبعد من بلوتو، وهو أبعد كواكبها عنها ( متوسط المسافة بين بلوتو والشمس 5900 مليون كيلو متر، وقطر الشمس مليون و392 ألف كيلو متر ) وستحيل كل كواكبها إلى غازات ملتهبة، وفي أثناء هذا التمدد تزداد حرارة اللب الذي يتكون من الهيليوم بالتدريج زيادة كبيرة حتى تصل إلى 100 مليون درجة مئوية، فيبدأ الهيليوم في الاحتراق ( أو الاندماج ) لتكوين الكربون والأكسجين فيعمل على زيادة الحجم أكثر وأكثر حتى يصل إلى أحجام قريبة من أحجام السدم، ويسمى في هذه الحالة السديم النجمي (planetary nebuia) أي السديم الذي تكون من تمدد نجم في أواخر مرحلو نضوجه. وقد يحدث لبعض النجوم وهي في هذه المرحلة بعض الانفجارات العنيفة فتقذف بجزء من مادتها الملتهبة في الفضاء حولها ويظهر ذلك في تليسكوباتنا على هيئة زيادة مفاجئة في لمعان النجم لفترة قصيرة، ثم يعود إلى لمعانه السابق، ويطلق على هذا اللمعان المفاجىء اسم النوفا (nova). ويبقى النجم في هذه الحالة إلى أن ينتهي احتراق الهيليوم في اللب فتنتهي بذلك فترة نضوجه ويبدأ في شيخوخته ثم اختصاره، فبعد نفاد الوقود النووي بداخل النجم العملاق أو السديم النجمي لا يوجد ما يوقف الجاذبية من جذب مادة النجم كلها نحو مركزه بقسوة بالغة تؤدي إلى انكماش النجم وتضاغط مادته وتحوله إلى قزم أبيض ينتهي به الحال إلى قزم أسود بارد كما يحدث للنجوم الصغيرة.
ج ـ النجوم الكبيرة:
وهي النجوم التي تبلغ كتلتها أكثر من ثلاثة أمثال كتلة الشمس. وتمر هذه النجوم بنفس المراحل التي تمر بها النجوم المتوسطة حتى تصل إلى مرحلة المارد الأحمر، ولكن الأمر يختلف بعد ذلك، فبعد تحول كل الهيليوم في اللب إلى كربون وأكسجين فإن هذا اللب ينكمش تحت تأثر جاذبيته فتتزايد درجة حرارته أكثر وأكثر حتى تصل إلى 600 مليون درجة تقريباً وهي الحرارة اللازمة لإتمام الاندماج بين ذرات الكربون فيبدأ احتراق الكربون احتراقاً نووياً ليعطي العناصر الأثقل مثل الماغنيسيوم والسليكون، وعند استنفاد الكربون من اللب يعود اللب إلى الانكماش وتتزايد حرارته إلى أن تصل إلى الدرجة اللازمة لاحتراق العنصر الأثقل، وهكذا يستمر النجم في تصنيع وحرق العناصر واحداً تلو الآخر، وقد يمر النجم بمرحلة المارد الأحمر عدة مرات في كل مرة ينتقل الاحتراق من عنصر إلى العنصر التالي، إلى أن يصل إلى الحديد الذي يحدد بداية النهاية للنجم، فالحديد يختلف عن كل العناصر السابقة في أنه غير قابل للاحتراق مثلما سبقه من العناصر، فاندماج نويات الحديد لا تنتج عنه طاقة بل يحتاج هو نفسه على طاقة، ولذلك فإن ظهور الحديد في لب النجم الكبير يعتبر إنذاراً بنفاد مخزونه من الوقود النووي وإعلاناً عن بداية النهاية المحتومة فعندما يصبح اللب من الحديد ويتوقف فيه إنتاج الطاقة يحدث للنجم انفجار هائل يؤدي إلى تطاير كل مادته التي تحيط باللب في الفضاء وينتج عن ذلك إشعاع كميات هائلة من الطاقة تصل إلى بلايين المرات مثل إشعاع النجم الأصلي أو إلى ما يعادل إشعاع مجرة بأكملها، ويؤدي ذلك إلى تكون سديم من المادة المتطايرة يحوي في داخله اللب الحديدي الذي تحدث فيه أحداث عظام، ويسمي علماء الفلك هذا الانفجار الهائل السوبرنوفا (supernova) وسديم السرطان هو بقايا السوبرنوفا الذي حدث عام 1054 لأحد النجوم الكبيرة في مجرتنا.

صورة للسوبرنوفا لأحد النجوم المنفجرة

إذاً فإن معدن الحديد المتوفرة على سطح الأرض هو نتاج انفجار نجم كبير وصلت شظاياه إلى أرضنا على شكل نيازك استقرت على سطح الأرض وبعضها أستقر في مركزه.
وصدق الله عندما قال : (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس).







0 التعليقات: