خالد بن الوليد قائد إسلامي عظيم كان من المجاهدين المسلمين الذين عاصروا الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وأطلق الرسول عليه لقب سيف الله المسلول، كانت بدايته في الجاهلية حتى من الله سبحانه وتعالى عليه بنعمة الهداية، فدخل إلى الإسلام بعد غزوة الأحزاب، وبعد إسلامه قاتل بسيفه أعداءه من المشركين والمنافقين كان قائداً حربياً لا يشق له غبار، وتولى قيادة الجيش الإسلامي في العديد من المعارك الهامة والتي كللت بالنصر من عند الله.

قال عنه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام " ما مثل خالد من جهل الإسلام ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له ولقدمناه على غيره"، وبعد الإسلام قال عليه الصلاة والسلام" الحمد لله الذي هداك ، لقد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير" .


النشأة
هو خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، أبو سليمان، ولد عام 584 م لعائلة رفيعة النسب فكان والده الوليد بن المغيرة أحد أشراف وأثرياء قريش، تدرب خالد منذ الصغر على الفروسية وأظهر فيها الكثير من البراعة حتى أصبح فارساً عظيماً لا يشق له غبار، فكان واحداً من ألمع قادة فرسان قريش، كما تولي مهمة "القبة والأعنة" وراثة عن أبيه.
حارب خالد بن الوليد أولاً ضمن صفوف المشركين ضد المسلمين فخاض عدد من الغزوات ضد المسلمين كأحد القادة المشركين المعادين للإسلام، بل لقد كان صاحب الفضل في تحويل نصر المسلمين في غزوة أحد إلى هزيمة بعد أن هاجم الجيش الإسلامي من الخلف وذلك بعد أن تخلى الرماة عن مواقعهم، وقاتل قتالاً شرساً ضد المسلمين هذا إلى النقيض تماماً مما حدث بعد إسلامه فقد قاتل بعد ذلك في سبيل الله قتالاً رائعاً استبسل فيه واستدعى جميع مهاراته كفارس فكانت له العديد من الانتصارات والبطولات في المعارك التي خاضها لصالح المسلمين.


إسلامه

قام بإعلان إسلامه في العام الثامن للهجرة وذلك قبل فتح مكة بستة أشهر وقبل غزوة مؤتة بنحو شهرين، وقد أعلن إسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل من عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، ومنذ أن أعلن إسلامه لم يرفع خالد بن الوليد سيفه قط سوى لنصرة الإسلام والمسلمين فكان نعم القائد والفارس الشجاع الذي مكنه الله من تسليط سيفه على رقاب المشركين فكان يعود له هذا السيف بالنصر والعزة للإسلام، وقد أطلق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقب " سيف الله المسلول"، مما قاله رسول الله عن إسلامه " الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا لا يسلمك إلا إلى الخير".

دوره كقائد إسلامي




كانت أولى الغزوات التي شارك فيها خالد بعد إسلامه غزوة مؤتة التي كانت بين كل من المسلمين والغساسنة والروم، وقد أظهر الكثير من البراعة والحنكة القتالية في هذه الغزوة وقاد الجيش المسلم بعد أن سقط أمرائه الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة في المعركة، وقد استبسل في هذه المعركة حتى أنه دقت في يده تسعة سيوف أثناء القتال.

وقد شارك أيضاً في فتح مكة فقد ولاه الرسول عليه الصلاة والسلام على واحدة من الكتائب الإسلامية التي ذهبت للفتح، كما كانت له العديد من المشاركات الأخرى فشارك في حروب الردة التي شنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة الرسول على المرتدين والمنافقين، فقام أبو بكر بتوكيل مهمة ردع هؤلاء المرتدين لخالد بن الوليد الذي أبلى خير البلاء في هذه المهمة وكان على رأس هؤلاء المرتدين طليحة بن خويلد، مسيلمة بن ثمامة أو الكذاب واللذان أدعيا النبوة، فلقد ارتد طليحة وقام بادعاء النبوة والتف حوله قبيلة بني أسد فسار إليه خالد ودحره هو ورجاله فعاد إلي الإسلام، كما ارتد مسيلمة وادعى النبوة والتفت حوله قبيلة بني حنيفة فسار خالد إليهم أيضاً وكانت من اكبر المعارك التي خاضها المسلمون في حروب الردة وأنتصر خالد وقتل مسيلمة .
قام الخليفة أبو بكر الصديق بتولية خالد على أجناد العراق وذلك من أجل قتال الفرس فأستبسل خالد في قتال الفرس هو وجنود المسلمين وظل يقاتلهم حتى أبادهم، فشهدت ارض العراق تحقيق انتصارات مذهلة لجيش المسلمين تحت قيادة خالد بن الوليد لهم وقام بالسيطرة على أجزاء كبيرة من بلاد فارس.
من المعارك الهامة أيضاً التي قام خالد بقيادة الجيش فيها معركة اليرموك والتي وقعت ضد جيش الروم فقد اظهر فيها خالد الكثير من موهبته القيادية والقتالية على حد سواء، فقام بتوحيد جيوش المسلمين لتصبح قوة واحدة في وجه الجيش الرومي، وتقاسم الإمارة مع غيره من القادة الأكفاء فاتفق معهم على أن يتولى أمارة الجيش كل يوم واحداً منهم، وبدأ بنفسه فاظهر الكثير من المهارة والاستبسال.
وفي هذه المعركة مع جيوش الروم خرج جرجة أحد القادة الروم لمبارزة خالد وعندما خرج خالد لمبارزته سأله القائد الرومي قائلا: هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم
قال خالد : لا
قال جرجة: فيم سميت سيف الله ؟
قال خالد : إن الله عز وجل بعث فينا نبيه محمد عليه الصلاة والسلام فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعاً ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتبعناه.
فقال عليه السلام أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
قال جرجة: صدقتني فأخبرني إلام تدعوني .
قال خالد : إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله.
قال جرجة : فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم.
قال خالد : منزلتنا واحدة فما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وأخرنا، فأنقلب جرجة إلى صف خالد وقال له : علمني الإسلام وأخذه خالد إلي خيمته وأتاه بماء ليتطهر ثم لقنه الشهادتين وخرجا معاً يقاتلان الروم .


أخلاق الفرسان
توفى أبو بكر الصديق رضي الله عنه واستخلف عمر بن الخطاب مكانه خليفة للمسلمين، ولما علم خالد بذلك لم يخبر احد حتى لا يحدث توتر وهرج في صفوف المسلمين، ومضي يضرب بسيفه يميناً ويساراً في صفوف الروم ويستحث الرجال على الإقدام والقتال حتى تحقق النصر للمسلمين وتقهقر جيش الروم مهزوماً مخذولاً.
وبعد وفاة أبي بكر وتولي عمر الخلافة أمر بتولية أبي عبيدة بن الجراح إمارة جيش المسلمين بدلاً من خالد بن الوليد، وعلى الرغم من هذا لم يقابل خالد هذا الأمر بالغضب أو الضيق بل سلم أبي عبيدة قيادة الجيش كما أُمر وهذا إن دل فإنما يدل على أخلاق عظيمة تمتع بها هذا الفارس المسلم العظيم الذي كان دائماً يؤثر رفعة الإسلام ونصره وإطاعة الخليفة عن أي أطماع شخصية قد تطول غيره، وبعد أن تسلم أبي عبيدة قيادة الجيش قاتل خالد بن الوليد في جيش المسلمين كجندي مخلص ينفذ أوامر قائده.


وفاة الفارس
توفى خالد بن الوليد عام 642م هذا البطل، والفارس المسلم الذي أسلم بعد أن كان مشركاً فأمن بالله والرسول ورفع سيفه من أجل نصرتهم فكان سيفه يرد إليه بالنصر وعلى الرغم من كثرة الحروب التي خاضها إلا أن وفاته لم تكن في أي من هذه المعارك بل جاءته وهو في فراشه وقال في هذا "ما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".
رحم الله خالد بن الوليد ورضي عنه وعن غيره من المسلمين الذين لم يدخروا جهداً من أجل نصرة دينهم والدفاع عنه، وجزاه خير الجزاء عن المسلمين.






الناصر صلاح الدين الأيوبي قائد عربي مسلم ومؤسس الدولة الأيوبية، خاض العديد من المعارك والتي ظهرت من خلالها إمكانياته كفارس شجاع وقائد عسكري حكيم يتمتع بقدر وافر من الذكاء والحنكة السياسية والحربية، وتعد معركة حطين التي وقعت عام 583هـ -1187م من أشهر المعارك التي خاضها والتي ارتبط اسمها دائماً باسمه وذكرتها كتب التاريخ كثيراً، والتي تمكن فيها من هزيمة أقوى الجيوش الصليبية محرزاً العديد من الانتصارات.
لم يتميز صلاح الدين فقط بكونه قائد عسكري عظيم بل تميز أيضاً بأخلاق رفيعة وشهامة منقطعة النظير فكانت له العديد من المواقف الإنسانية الرائعة سواء مع أفراد جيشه أو مع شعبه أو حتى مع الأسرى حيث تجلى كرم أخلاقه مع الجميع، هذا بالإضافة لعلمه الواسع وشغفه بالمطالعة وتشجيعه للعلم.
النشأة
اسمه كاملاً يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان, أبو المظفر, الملقب بالناصر صلاح الدين الأيوبي، ولد صلاح الدين لعائلة كردية في عام 532هـ، في تكريت بالقرب من بغداد، كان والده محافظاً لقلعة تكريت من قبل بهروز، وكان عمه أسد الدين شيركوه أحد القادة العظام في جيش نور الدين زنكي حاكم الموصل.
شهدت مدينة بعلبك نشأة صلاح الدين فترعرع بها وتلقى علومه المختلفة فدرس القرآن وسمع الحديث من الحافظ السلفي وابن عوف وقطب الدين النيسابوري، كما تعلم الصيد وفنون القتال وغيرها من المهارات والعلوم.
الحياة العسكرية لصلاح الدين
بدأت الحياة العسكرية تشق طريقها إلى صلاح الدين عندما ذهب مع عمه شيركوه بأمر من نور الدين زنكي لصد الهجمات الصليبية وتحقيق المساندة والدعم للخليفة الفاطمي في مصر، حيث كانت الحملات الصليبية تتوالي حينذاك، فحققا العديد من الإنجازات في صد هذه الهجمات، الأمر الذي دفع بالخليفة الفاطمي إلي تعيين شيركوه وزيراً له، وفي مصر قام صلاح الدين بالاختلاط بالمصريين وتقرب منهم وأحبه الشعب المصري أيضاً لما لمسوه فيه من سمات البطولة والعدل والحكمة مما أهله بعد ذلك لأن يحل محل عمه بعد وفاته فتم إسناد الوزارة إليه، وذلك بتأييد من المصريين وأيضاً لخبرته الواسعة سواء على المستوى الحربي أو الإنساني.
حاكماً لمصر




عندما مات الخليفة الفاطمي قام صلاح الدين بإعلان انتهاء الحكم الفاطمي ونصب نفسه حاكماً على مصر ونزل إلى قصر الخلافة جامعاً الأتباع والقواد فتعلق به الشعب المصري، وعندما علم نور الدين بنية صلاح الدين بالاستقلال بمصر قرر أن يسير إليه بجيش كبير ليسترجعها منه ولكنه مات في عام 569هـ قبل أن يحقق ما سعى إليه وبموته زالت إحدى العقبات الكبيرة من طريق صلاح الدين.
وبعد وفاة نور الدين محمود تطلع صلاح الدين من أجل ضم الشام إلى حكمه فسار إلى دمشق وتمكن من إخماد الثورات التي قامت في الشام بسبب الطمع بملك نور الدين، ومكث بها قرابة العامين من أجل أن يعيد الحكم إلى حالة من الاستقرار فضم إليه دمشق وحمص وحماة وبعلبك وغيرها ثم أعلن عن استقلاله عن بيت نور الدين محمود وتبعيته للخلافة العباسية التي منحته لقب سلطان، وأصبح حاكما على مصر، عاود حملته على الشام عام 578هـ ، ونجح في ضم حلب وبعض المدن الشامية، وقد استغرقت هذه الفتوحات أكثر من عشر سنوات وبعد استقرار الأحوال في الشام وفلسطين عاد مرة أخرى إلى مصر.
أتجه صلاح الدين بعد استقرار الأمور الخارجية نحو الإصلاح الداخلي في مصر فعمل على إنشاء جيش قوي حقق به العديد من الإنجازات، مما عمل على تثبيت أقدامه في مصر، كما سعى من أجل نشر العلم فيها وتقوية المذهب السني بها فقام بإنشاء المدارس التي تدرس الفقه السني مثل المدرسة الناصرية والمدرسة الكاملية، كما عمل على عذل القضاة الشيعيين وإحلال قضاة من السنة محلهم، ومن الخطوات الشجاعة التي قام بها أنه أعلن في الجمعة الأولى من شهر المحرم عام 567هـ قطع الخطبة للخليفة الفاطمي الذي كان مريضًا وجعلها للخليفة العباسي، فكان ذلك إيذاناً بانتهاء الدولة الفاطمية، وبداية عصر جديد، تمكن خلاله من القضاء على الفتن والمؤامرات التي اشتعلت لإعادة الحكم الفاطمي.
توسعت سلطة صلاح الدين في البلاد فامتدت من النوبة جنوباً وبرقة غرباً إلى بلاد الأرمن شمالاً وبلاد الجزيرة والموصل شرقاً.
بعد استقرار الأمور الداخلية التفت صلاح الدين إلى الحروب الصليبية وبدأ يسعى في تحضير جيش قوي من أجل القضاء عليها.
معاركه مع الصليبيين
سعى صلاح الدين بعد أن تأكد من قوة جبهته الداخلية وتماسكها من أجل تكوين جيش قوي يقوم من خلاله بالقضاء على الصليبيين في معركة حاسمة وذلك بدلاً من الغارات التي تشن من آن لآخر لإضعاف العدو، فقام بشن سلسلة من المعارك الناجحة على الصليبيين وسقطت العديد من المناطق في يده مثل قلعة طبرية، عكا، قيسارية، ونابلس، وأرسوف، ويافا وبيروت بالإضافة لبيت المقدس، وكانت معركة حطين واحدة من أنجح المعارك الحربية والتي وقعت في عام 583هـ حيث كللت رحلة الكفاح العسكرية لصلاح الدين بنجاح عظيم مازالت تتذكره كتب التاريخ.
استفز ملوك أوربا وأثار غضبهم انتصارات صلاح الدين وسيطرته على بيت المقدس فقرروا شن حملة عظيمة لاستعادة بيت المقدس من يد صلاح الدين والجيش الإسلامي وتجمع لذلك عدد من ملوك أوربا والذين أتى على رأسهم ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد، بالإضافة إلى فيليب أوغسطس ملك فرنسا، وفريدريك بربروسا ملك ألمانيا، ولم تسفر هذه الحملة عن أي نجاح بالنسبة إلى ملوك أوربا حيث رجعوا إلى بلادهم يجرون أذيال الخيبة وتم عقد صلح الرملة بين الطرفين في عام 588هـ - 1192م .

أخلاق الفرسان
عرف صلاح الدين سواء في البلاد العربية أو الأوربية كمحارب شهم كريم الأخلاق أبي النفس، وعرف كمسلم مؤمن، وشخص متواضع، وكانت له العديد من المآثر الإنسانية التي تجلت فيها رقة قلبه ولم يكن قائداً مقاتلاً عنيداً قوي الشكيمة فقط بل كان مثقفاً يحب العلم ويشجع العلماء عمر المساجد وأصلح الري وبنى القلاع والأسوار في القاهرة ودمشق.
توفي صلاح الدين عام 1193 م بقلعة دمشق عن 57 عاما، توفى ولكن مازال التاريخ يتذكره كثيراً كواحد من أهم الشخصيات التاريخية التي كان لها بالغ الأثر في أحد العصور الإسلامية القديمة



عمرو بن العاص بن وائل السهمي قائد إسلامي عظيم تمتع بعقلية قيادية مميزة، بالإضافة لدهاء وذكاء مكنه من اجتياز العديد من المعارك والفوز بها، أعلن إسلامه في العام الثامن للهجرة مع كل من خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، وفي الإسلام كان ابن العاص مجاهداً وبطلاً، يرفع سيفه لنصرته، عندما أعلن إسلامه قال عنه رسول الله "صلى الله عليه وسلم" { أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص }.
لقب "بداهية العرب" لما عرف عنه من حسن تصرف وذكاء، فما كان يتعرض إلى أي مأزق حتى كان يتمكن من الخروج منه، وذلك بأفضل الحلول الممكنة، فكان من أكثر رجال العرب دهاء وحيلة.
حياته
ولد عمرو بن العاص في الجاهلية والده هو العاص بن وائل أحد سادة العرب في الجاهلية، شرح الله صدره للإسلام في العام الثامن من الهجرة، ومنذ ذلك الحين كرس عمرو حياته لخدمة المسلمين فكان قائد فذ تمتع بذكاء ودهاء كبير، قام الرسول "صلى الله عليه وسلم" بتوليته قائداً على الكثير من البعثات والغزوات، فكان احد القادة في فتح الشام ويرجع له الفضل في فتح مصر.

قبل الإسلام
قبل أن يعلن عمرو بن العاص إسلامه كانت له إحدى المواقف مع النجاشي حاكم الحبشة والذي كان قد هاجر إليه عدد من المسلمون فراراً بدينهم من المشركين واضطهادهم لما عرف عن هذا الحاكم من العدل، ولكن قام المشركون بإرسال كل من عمرو بن العاص - كان صديقاً للنجاشي - وعبد الله بن ربيعة بالهدايا العظيمة القيمة إلى النجاشي من أجل أن يسلم لهم المسلمين الذين هاجروا ليحتموا به، فرفض النجاشي أن يسلمهم لهم دون أن يستمع من الطرف الأخر وهم المسلمين ولما استمع لهم رفض أن يسلمهم إلى عمرو وصاحبه.

قال له النجاشي ذات مرة : يا عمرو، كيف يعزب عنك أمر ابن عمك؟ فوالله إنه لرسول الله حقًا، قال عمرو: أنت تقول ذلك؟ قال: أي والله، فأطعني، فخرج عمرو من الحبشة قاصدًا المدينة، وكان ذلك في شهر صفر سنة ثمان من الهجرة، فقابله في الطريق خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، وكانا في طريقهما إلى النبي "صلى الله عليه وسلم" فساروا جميعًا إلى المدينة، وأسلموا بين يدي رسول الله، وكان النجاشي قد أعلن إسلامه هو الأخر.

قال عمرو بن العاص عندما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال فقبضت يدي، فقال: مالك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط بماذا؟، قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟، وما كان أحد أحب إلى من رسول الله "ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأنني لم أكن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة".

عمرو قائداً حربياً
كانت أولى المهام التي أسندت له عقب إسلامه، حينما أرسله الرسول "صلى الله عليه وسلم" ليفرق جمعاً لقضاعة يريدون غزو المدينة، فسار عمرو على سرية "ذات السلاسل" في ثلاثمائة مجاهد، ولكن الأعداء كانوا أكثر عدداً، فقام الرسول "صلى الله عليه وسلم" بإمداده بمائتين من المهاجرين والأنصار برئاسة أبي عبيدة بن الجراح وفيهم أبو بكر وعمر، وأصر عمرو أن يبقى رئيساً على الجميع فقبل أبو عبيدة، وكتب الله النصر لجيش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص وفر الأعداء ورفض عمرو أن يتبعهم المسلمون، كما رفض حين باتوا ليلتهم هناك أن يوقدوا ناراً للتدفئة، وقد برر هذا الموقف بعد ذلك للرسول حين سأله انه قال " كرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، وكرهت أن يوقدوا ناراً فيرى عدوهم قلتهم " فحمد الرسول الكريم حسن تدبيره.
بعد وفاة الرسول "صلى الله عليه وسلم" وفي خلافة أبي بكر "رضي الله عنه"، قام بتوليته أميراً على واحداً من الجيوش الأربعة التي اتجهت إلى بلاد الشام لفتحها، فانطلق عمرو بن العاص إلى فلسطين على رأس ثلاثة ألاف مجاهد، ثم وصله مدد أخر فأصبح عداد جيشه سبعة ألاف، وشارك في معركة اليرموك مع باقي الجيوش الإسلامية وذلك عقب وصول خالد بن الوليد من العراق بعد أن تغلب على جيوش الفرس، وبناء على اقتراح خالد بن الوليد تم توحيد الجيوش معاً على أن يتولى كل قائد قيادة الجيش يوماً من أيام المعركة، وبالفعل تمكنت الجيوش المسلمة من هزيمة جيش الروم في معركة اليرموك تحت قيادة خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم وتم فتح بلاد الشام، انتقل بعد ذلك عمرو بن العاص ليكمل مهامه في مدن فلسطين ففتح منها غزة، سبسطية، ونابلس ويبني وعمواس وبيت جيرين ويافا ورفح.
كان عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" إذا ذُكر أمامه حصار "بيت المقدس" وما أبدى فيه عمرو بن العاص من براعة يقول: لقد رمينا "أرطبون الروم" "بأرطبون العرب".

فتح مصر

مسار فتح مصر

بعد أن توالت انتصارات وفتوحات عمرو بن العاص في الشام، توجه نظره إلى مصر، فرغب في فتحها فأرسل إلى الخليفة ليعرض عليه الأمر وكان حينها عمر بن الخطاب متولياً الخلافة، وبعد تفكير وتردد أقتنع عمر بن الخطاب بفكرة عمرو.
وبالفعل قام ابن العاص بإعداد العدد والعتاد من أجل التوجه لفتح مصر فسار على رأس جيش مكون من أربعة ألاف مقاتل فقط، ولكن بعد أن قام الخليفة باستشارة كبار الصحابة في الأمر رأوا ألا يدخل المسلمين في حرب قاسية، وقام عمر بن الخطاب بكتابة رسالة إلى عمرو بن العاص جاء فيها " إذا بلغتك رسالتي قبل دخولك مصر فارجع، و إلا فسر على بركة الله"، وحين وصل البريد إلى عمرو بن العاص وفطن إلى ما في الرسالة، فلم يتسلمها حتى بلغ العريش، فاستلمها وفضها ثم سأل رجاله: انحن في مصر الآن أم في فلسطين؟، فأجابوا : نحن في مصر ، فقال : إذن نسير في سبيلنا كما يأمر أمير المؤمنين".
توالت انتصارات عمرو فدخل بجيشه إلى مدينة الفرما والتي شهدت أول اشتباك بين الروم والمسلمين، ثم فتح بلبيس وقهر قائدها الروماني ارطبون الذي كان قائداً للقدس وفر منها، وبعد أن وصل المدد لجيش عمرو تابع فتوحاته لأم دنين، ثم حاصر حصن بابليون حيث المقوقس حاكم مصر من قبل هرقل، لمدة سبعة أشهر وبعد أن قبل المقوقس دفع الجزية غضب منه هرقل واستدعاه إلى القسطنطينية ونفاه، فأنتهز المسلمون الفرصة وهاجموا حصون بابليون مما اضطر الروم إلى الموافقة على الصلح ودفع الجزية.
توالت فتوحات عمرو بن العاص بعد ذلك في المدن المصرية الواحدة تلو الأخرى حتى بلغ أسوار الإسكندرية فحاصرها وبها أكثر من خمسين ألفاً من الروم، وخلال فترة الحصار هذه مات هرقل وجاء أخوه بعده مقتنعاً بأن لا أمل له في الانتصار على المسلمين، فأستدعى المقوقس من منفاه وكلفه بمفاوضة المسلمين للصلح.
وجاءت عدد من البنود في اتفاقية الصلح هذه منها: أن تدفع الجزية عن كل رجل ديناران ماعدا الشيخ العاجز والصغير، وأن يرحل الروم بأموالهم ومتاعهم عن المدينة، وأن يحترم المسلمون حين يدخلونها كنائس المسيحيين فيها، وان يرسل الروم مئة وخمسين مقاتلاً وخمسين من أمرائهم رهائن لتنفيذ الشروط، وقام عمرو بن العاص بإرسال رسول إلى الخليفة عمر ليبلغه بشارة الفتح، وقد مهد فتح الشام لفتح مصر وذلك بعد ما علمه الروم والأقباط من قوة المسلمين.

عمرو حاكماً لمصر

جامع عمرو بن العاص

قضى عمرو بن العاص في فتح مصر ثلاث سنوات، وقد استقبله أهلها بالكثير من الفرح والترحيب لما عانوه من قسوة الروم وظلمهم، وقد كانوا خير العون لعمرو بن العاص ضد الروم، وكان عمرو يقول لهم: يا أهل مصر لقد أخبرنا نبينا أن الله سيفتح علينا مصر وأوصانا بأهلها خيرا، حيث قال الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم": ستفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرا، فان لهم ذمة ورحما.
وقد كان عهد ولاية عمرو على مصر عهد رخاء وازدهار فكان يحب شعبها ويحبوه وينعموا في ظل حكمه بالعدل والحرية، وفيها قام بتخطيط مدينة الفسطاط، وأعاد حفر خليج تراجان الموصل إلى البحر الأحمر لنقل الغنائم إلى الحجاز بحراً، وانشأ بها جامع سمي باسمه وما يزال جامع عمرو بن العاص قائماً إلى الآن بمصر، وظل عمرو والياً على مصر حتى جاء عثمان على الخلافة وقام بعزله.

اللقاء الثاني بين الروم والمسلمين
كان الأقباط في فترة حكم الروم يعانون من قسوتهم واضطهادهم، وإجبارهم على ترك مذهبهم واعتناق المذهب الرومي، فجاءت إحدى المواقف الهامة والتي أكدت على مدى احترام المسلمين للديانات الأخرى، فقد كان للأقباط رئيس ديني يدعى بنيامين حين تعرض للقهر من الروم اضطر للفرار، وعندما علم المسلمون بالأمر بعد الفتح أرسلوا إليه ليبلغوه انه في أمان، وعندما عاد أحسنوا استقباله وأكرموه، وولوه رئاسة القبط، وهو الأمر الذي نال استحسان وإعجاب الأقباط بالمسلمين، فأحسنوا التعامل معهم.
جاءت المعركة الثانية بين المسلمين والروم بعد أن علم ملك الروم أن الحامية الإسلامية بالإسكندرية قليلة العدد، فانتهز هذه الفرصة وأرسل بثلاثمائة سفينة محملة بالجنود، وتمكن من اختراق الإسكندرية واحتلالها وعقد العزم على السير إلى الفسطاط، وعندما علم عمرو بن العاص بذلك عاد من الحجاز سريعاً وجمع الجيش من أجل لقاء الروم ودحرهم، وبالفعل تمكن عمرو من قيادة جيشه نحو النصر فكانت الغلبة لجيش المسلمين، ولم يكتفي أبن العاص بهذا بل سارع بملاحقة الروم الهاربين باتجاه الإسكندرية، وفرض عليها حصاراً وفتحها، وكسر شوكة الروم وأخرجهم منها، كما قام بمساعدة أهل الإسكندرية لاسترداد ما فقدوه نتيجة لظلم الروم والفساد الذي قاموا به أثناء فترة احتلالهم للمدينة.
بعد معركة الإسكندرية، وأثناء خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه قام بعزل عمرو عن ولاية مصر وولي عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم في عهد معاوية بن أبي سفيان عاد إليها عمرو مرة أخرى واستمر والياً عليها حتى وفاته.

الوفاة
كانت أخر الكلمات التي انطلقت من فمه قبل وفاته " اللهم آمرتنا فعصينا .. ونهيتنا فما انتهينا .. ولا يسعنا إلا عفوك يا ارحم الراحمين"، وقد كانت وفاة عمرو بن العاص في مصر هذه البلد التي فتحت على يديه، وشهدت أزهى عصورها عندما كان والياً عليها، فتوفى عام 43هـ.



فتح التاريخ سجلاته ليظهر لنا أحد شخصياته البارزة، هو فارس مسلم وأشهر سلاطين دولة المماليك قدر له الله سبحانه وتعالى أن يكون سبباً في رفعة الإسلام والمسلمين وذلك عندما تمكن بحنكته العسكرية وقيادته لجيش المسلمين من إلحاق الهزيمة بالتتار وكسر شوكتهم ووقف زحفهم، هو الفارس سيف الدين قطز الذي تمكن من ضم معركة عين جالوت الحاسمة إلى سجل الانتصارات التي أحرزها المسلمون خلال التاريخ، وذلك خلال فترة حكم قصيرة تربع فيها على عرش سلطنة مصر، قبل أن يتم اغتياله غدراً على يد عدد من أمراء المماليك على رأسهم بيبرس البندقداري، ليلقى حتفه في الثالث والعشرين من أكتوبر 1260م.

النشأة
ولد قطز أميراً مسلماً في ظل الدولة الخوارزمية فهو محمود بن ممدود ابن أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، الذي تم إختطافه عقب انهيار الدولة الخوارزمية عام 1231م على يد المغول، وحمل هو وغيره من الأطفال إلى دمشق وتم بيعهم في سوق الرقيق وأطلق عليه اسم "قطز"، ظل قطز عبد يباع ويشترى إلى أن انتهى به المطاف في يد عز الدين أيبك أحد أمراء مماليك البيت الأيوبي بمصر.
تعلم قطز اللغة العربية والقرآن الكريم ومبادئ الفقه الإسلامي، وعندما وصل إلى مرحلة الشباب تدرب على الفروسية والمهارات القتالية واستخدام السيف والرمح وغيرها من فنون الحرب، ونظراً لمهارته ارتقى قطز سريعاً حتى صار قائداً لجند أيبك، ثم قائداً للجيوش عقب تربع عز الدين أيبك على عرش السلطنة مع زوجته شجرة الدر.
الفارس الأول
بدأ دور قطز يتضح ويبرز أكثر عقب تولي عز الدين أيبك السلطنة في مصر وأصبح قطز يده اليمنى، ولكن لم تكن الأوضاع مستقرة بالبلاد فبالإضافة لتهديد التتار المستمر واستمرار زحفه على الدولة الإسلامية، كانت تدب الكثير من الخلافات الداخلية والتي كان منبعها فارس الدين أقطاي زعيم المماليك البحرية، ومن حوله من رجال وفرسان المماليك، فقد كان أقطاي يرغب في التربع على عرش السلطنة وانتزاعه من أيبك، وشعر الأخير بالخطر الذي يشكله أقطاي فقرر التخلص منه وأوكل بهذه المهمة إلى قطز، كما قام بالقبض على عدد من المماليك البحرية وفر الباقون إلى الشام.
ولم يدم الحال بالنسبة لأيبك بعد ذلك كثيراً حيث مالبث أن قتل، وقتلت من بعده زوجته شجرة الدر ليصعد المنصور نور الدين علي بن المعز أيبك إلى كرسي السلطنة وكان طفلاً صغيراً لا يصلح لأمور السلطنة والحكم، فعمت الاضطرابات البلاد والتي كان يثيرها عدد من المماليك البحرية الذين مكثوا في مصر، بالإضافة لأطماع أمراء الشام الأيوبيين في الاستيلاء على الحكم، وتهديد التتار، فوقف قطز بالمرصاد للثورات الداخلية والاضطرابات جميعاً وتمكن من القضاء على ثورات أمراء المماليك البحرية ففروا إلى الشام، كما قاد الجيش وصد أمراء الشام الذين أرادوا غزو مصر، وتمكن من بث الاستقرار ونشر الأمن.

سلطان مصر
التوغل التتاري

أصبح الوضع في مصر لا يحتمل وجود سلطان ضعيف في سدة الحكم خاصة مع الزحف التتاري المستمر، حيث سقطت بغداد وقضي على الخلافة العباسية، وبدأ التتار في الاتجاه إلى الشام فأسقطوا المدن الواحدة تلو الأخرى حتى دخلوا دمشق، وأصبح خطرهم في طريقه إلى القاهرة هذا بالإضافة لوجود الصراعات الداخلية والخارجية للاستيلاء على الحكم، فقرر قطز عزل السلطان والإمساك بمقاليد الحكم وتمكن من إرجاع الاستقرار للدولة.
استمراراً للتوغل التتاري أرسل الزعيم التتاري هولاكو إلى قطز برسالة تمتلئ بالتهديد والوعيد مع عدد من رسله يدعوه للاستسلام، فما كان من قطز إلا انه قام بحبس رسل هولاكو وبعد التشاور مع الأمراء تم قتلهم وعلقت جثثهم على أبواب القاهرة، في إشارة لهلاكو بعدم خوف المسلمين وقدرتهم على تحدي التتار والوقوف بوجهه.
التجهيز للحرب
أتخذ قطز قراره بالخروج لملاقاة التتار وردع قوتهم، وبدأ التجهيز للحرب فأستدعى أمراء المماليك البحرية الفارين في الشام فأحسن استقبالهم وكان منهم بيبرس البندقداري الذي أقطعه قطز قليوب وأعطاه الأمان وولاه على قيادة الجيوش، وعين الأخرين كأمراء على جيش المسلمين، كما تشاور مع الشيخ العز بن عبد السلام في جمع الأموال من أجل الحرب، والذي قال له أنه لا يجب أخذ شيئاً من الناس إلا إذا كان بيت المال فارغاً، وأن يخرج الأمراء والتجار والأغنياء أموالهم وذهبهم وأن يتساوى الناس جميعاً في هذا، وبالفعل كان قطز أول شخص اخرج ماله من أجل التجهيز للحرب وأخرج باقي الأمراء أموالهم على مضض، ثم نادى قطز الجنود والأمراء للتكاتف من أجل مواجهة التتار.

المعركة الحاسمة

بدأ تحرك قطز وجنوده لملاقاة التتار، والذين علموا بتقدم المسلمين فحشد القائد التتاري "كتبغا نوين" جنوده بعد مشاورة أعوانه وذهب لملاقاة المسلمين، فتلاقى الطرفان عند موقعة "عين جالوت" من الأراضي الفلسطينية في الثالث من سبتمبر 1260م، واشتعلت نيران الحرب بينهما، وانقض الفارس الشجاع قطز على جنود التتار يقاتل ببسالة باعثاً روح الحماس داخل جنوده، خالعاً خوذته شاهراً سيفه يسارع للشهادة، لا يبالي لسيوف الأعداء لا يبالي سوى لنصرة المسلمين صائحاً "وإسلاماه" وثبت الله جنوده في أرض المعركة وكتب لهم النصر.
بهذا النصر الذي كتبه الله للمسلمين وقائدهم قطز تم إنقاذ الأراضي المسلمة وتراجع المغول من دمشق ودخلها قطز وفرض سيطرته على سائر بلاد الشام، وأعاد الاستقرار مرة أخرى إلى الأراضي الإسلامية ثم أخذ قراره بالعودة مرة أخرى إلى مصر في الرابع من أكتوبر 1260م.
نهاية الفارس
لكل بداية نهاية وبعد كل حياة موت، وكانت نهاية الفارس سيف الدين قطز عقب إحرازه لنصر عين جالوت ووقف الزحف التتاري وردعه عن أراضي المسلمين، وفي طريق عودته إلى مصر وقبل أن يحتفل مع شعبها بالنصر الذي أحرزه وأهداه للمسلمين، تآمر عليه عدد من الأمراء الذين اضمروا له الحقد وأوغلوا قلب بيبرس البندقداري نحوه، فقرر بيبرس التخلص منه والإنفراد بالحكم، خاصة بعد ان اخلف قطز وعده له بتوليته على حلب، فقام بمراقبته مع غيره من الأمراء وتحينوا الفرصة للقضاء عليه وكان لهم ما أرادوا حيث انتهزوا فرصة خروج قطز بمفرده فتعقبوه وانقض عليه بيبرس وغيره من الأمراء وأخترقت سيوفهم جسده ليقتل الفارس بعد أن أحرز النصر الذي لم يهنأ بالاحتفال به وسط شعبه، وكانت وفاته في الثالث والعشرين من أكتوبر 1260م.


الملكة الفرعونية حتشبسوت

أعظم ملكات مصر الفرعونية والتي تأتي كأعظم شاهد على دور المرآة المميز وقدرتها على الإدارة والحكم، هذا على الرغم من كثرة المعارضين لها والرافضين لوجود إمرأة على كرسي العرش، وعلى الرغم من هذا تمكنت حتشبسوت من إحكام قبضتها على الحكم لمدة عشرين عاماً، نعمت فيها البلاد بالكثير من الرخاء والازدهار، وعندما كثرت عليها الضغوط من الكهنة وقادة الجيش تنازلت عن العرش فقط من اجل مصلحة البلاد.

حياة الملكة :
ولدت الملكة حتشبسوت أو " ماعت كاع رع" والتي يعني اسمها "أفضل النساء بفضل آمون" خلال فترة حكم الأسرة الثامنة عشرة، والدها هو تحتمس الأول الذي خاض الكثير من المعارك الحربية الناجحة فاتح بلاد النوبة وسوريا وبلاد ما بين النهرين، والذي على الرغم من مكانته الكبيرة كأحد قادة الجيوش إلا أنه لم يكن له الحق في تولي الحكم أو الجلوس على العرش لأته لا ينتسب إلى ملوك الفراعنة، حيث كان السائد في هذه الفترة التاريخية ألا تتزوج الأميرات الفرعونيات إلا من ملوك الفراعنة، ولكن نظراً لكثرة الحروب التي خاضها الملوك تقلص عددهم بشكل كبير وبالتالي كان على الأميرات الزواج من النبلاء من عامة الشعب، ومن خلال ذلك تمكن تحتمس الأول من الزواج بالأميرة الفرعونية "أحمس" وأصبح فرعوناً لمصر.
أثمر هذا الزواج عن مولد "حتشبسوت" هذه الأميرة الفرعونية التي سوف يكون لها شأن عظيم بعد ذلك، ولم تكن حتشبسوت هي الابنة الوحيدة لتحتمس الأول فكان له ابنة أخرى تدعى "خبيتا- نفرو" ولكنها توفيت، كما كان له ابن غير شرعي من إحدى محظياته عرف "بتحتمس الثاني".

من يكون فرعوناً لمصر؟
جاءت وفاة والدة حتشبسوت بعد 50 عاماً من الزواج بتحتمس الأول ليفقد الأخير حقه في الجلوس على العرش، والذي كان السبب فيه من البداية زواجه من أميرة فرعونية، فتجمع حوله كهنة آمون مطالبين إياه بالتنازل عن العرش، ولم يكن يوجد من يصعد للعرش ليخلف والده سوى الأميرة "حتشبسوت" والتي تعتبر أميرة شرعية تجري بعروقها الدماء الملكية، بعكس تحتمس الثاني والذي يعد ابن غير شرعي لتحتمس الأول ولا يجوز له أن يعتلي العرش.
وهنا وقع الكهنة والشعب في جدل كبير فهناك من يؤيد صعود حتشبسوت لتعتلي العرش باعتبارها أميرة فرعونية ووريثة شرعية، وهناك من يعترض لكونها امرأة وهو أمر غير مرغوب فيه أن تمسك امرأة بمقاليد الحكم ويرجحوا كفة تحتمس الثاني لكونه رجل إلا أنهم يخشون من الثورات لأنه ابن غير شرعي ولا يمكن أن يكون فرعوناً لمصر.


حتشبسوت ملكة فرعونية


احد تماثيل حتشبسوت

على الرغم من كون حتشبسوت امرأة إلا أنها كانت تتمتع بالكثير من الصفات التي تؤهلها لأن تكون ملكة متمكنة على عرش مصر يأتي في مقدمتها انحدارها من أصول ملكية ونسبها إلى أمون، وتمتعها بذكاء باهر وإلمامها بالمهارات القتالية، حيث حرص والدها على تنميتها فيها منذ الصغر ودفعها لمشاركته الحكم في أخر عهده، ولذلك اندفعت للمطالبة بحقها في العرش فخلعت ملابس النساء وارتدت ملابس الرجال، ووضعت ذقن مستعارة، مؤكدة على قدرتها على إدارة شئون البلاد والقيام بمهامها كفرعون لمصر على أكمل وجه، ومن الممكن أن تعتمد على قادة الجيوش في إدارة الحروب إذا عجزت هي عن ذلك.
وظل الجدل مثار حول من الأحق بعرش مصر حتى حسم تحتمس الأول الجدل بأن أعلن زواج كل من حتشبسوت من تحتمس الثاني، وبذلك أصبح الاثنان شركاء في الحكم.

ما بعد الحكم :
رضخت حتشبسوت لرغبة والدها بالزواج من تحتمس الثاني حتى تتمكن من الحصول على حقها في العرش وعلى الرغم أنه من المفترض أن يكون الزوجان شريكان في الحكم إلا أن حتشبسوت كانت هي الحاكم الفعلي بينما كان تحتمس الثاني زوجها منصرفاً لحياة اللهو والمجون فقد كان ضعيفاً في أمور القيادة والحكم، وقد حققت حتشبسوت في بداية سنوات حكمها الكثير من الازدهار والرخاء ونعمت البلاد بالاستقرار بعد فترة من الحروب، وأسفر زواجها من تحتمس الثاني عن ابنتين هما نفرورا وحتشبسوت الصغرى، كما أنجب تحتمس الثاني من إحدى عشيقاته ولداً هو تحتمس الثالث والذي سوف ينازع حتشبسوت الحكم بعد ذلك.
تمكنت حتشبسوت من الانفراد بالحكم سريعاً بعد وفاة زوجها في إحدى المعارك التي خاضها من أجل إخماد تمرد حدث في المناطق الصحراوية الخاضعة لمصر.

إنجازات الملكة


الرحلة لبلاد بونت

تمكنت حتشبسوت أخيراً من الإنفراد بالحكم فاتجهت إلى سلسلة من الإصلاحات الداخلية، وشهد عصرها الكثير الإنجازات فشقت الترع والقنوات ونهضت بالزراعة وأصلحت ما تم هدمه من المعابد، وسعت من اجل إنعاش التجارة فجاء التبادل التجاري بين مصر وجيرانها، وشهد عصرها أشهر الرحلات التجارية وهي الرحلة التجارية إلى بلاد "بونت" وجاءت جدران معبد الدير البحري مزينة بالنقوش والرسومات التي تعبر عن تفاصيل هذه الرحلة.
وبدأت الرحلة التي استغرقت عامين أولاً بتنظيف القناة التي تصل بين كل من النيل والبحر الأحمر عند نهاية الدلتا، لتسير بها سفن الأسطول، والتي حرصت حتشبسوت على أن تكون محملة بالهدايا.
وعندما وصل الأسطول الفرعوني إلى بلاد بونت استقبله زعيمها منبهراً بكم الهدايا التي أرسلتها حتشبسوت، وعادت السفن مرة أخرى إلى مصر محملة بخيرات هذه البلاد من أخشاب، وأشجار البخور والأبنوس والصمغ، وقد أمرت الملكة بزراعة أشجار البخور داخل أسوار معبد الكرنك، بالإضافة للعاج والذهب والحيوانات كالقرود والفهود والطيور المختلفة التي حملت بها السفينة.
وكما أنعشت حتشبسوت التجارة أمرت بإعادة العمل في مناجم النحاس والملاكيت بشبه جزيرة سيناء والتي توقف فيها العمل أثناء حكم الهكسوس.

التهديدات الخارجية
سادت حالة من الاستقرار والرخاء في الدولة أثناء حكم حتشبسوت، ولكن دوام الحال من المحال فقد بدأت الدولة تعاني من التهديدات الخارجية هذا بالإضافة لحالة البلبلة التي أثارها الكهنة المعارضين لحكم حتشبسوت لكونها إمرأة، كما بدأ تحتمس الثالث الابن الغير شرعي لتحتمس الثاني بالمطالبة بحقه في الحكم، وتم اتهامها بالانصراف نحو شئون البلاد الداخلية والإهمال في إعداد الجيش مما عرض البلاد لخطر الهجوم الخارجي.
التف الكهنة حول تحتمس الثالث فحيكت المؤامرات من أجل توصيله للعرش وكان منها ما سردوه حول المعجزة التي حدثت لتحتمس بأن آمون ظهر له وأختاره ليكون فرعوناً لمصر وطلب من حتشبسوت التنازل عن العرش والخضوع لإرادة آمون.
لجأت حتشبسوت للحيلة من أجل فرض سيطرتها على تحتمس الثالث فعاملته بالكثير من الود وبالفعل بدأ تحتمس يظهر بعض الاستسلام ولكنه ما لبث أن عاد للتمرد مرة أخرى بعد تحريض الكهنة له.
تعرضت البلاد للخطر نتيجة للفتن المتفجرة ببلاد كوش وثار قادة الجيش من أجل التحرك ووقف هذه الفتن، ووقعت حتشبسوت في حيرة ما بين تحذير مستشاريها من خروج تحتمس الثالث على رأس الجيش لإخماد الفتن والرجوع منتصراً لينتزع منها العرش، ونصيحتهم بإضاعة مستعمرة بدلاً من إضاعة العرش، وبين حرصها على مصلحة الدولة.
وصل ذكاء حتشبسوت لحل تضمن به ولاء تحتمس، حيث هداها تفكيرها لتزويجه من ابنتها نفرورا وبذلك يضمن حقه في الحكم على أن يذهب إلى محاربة الكوشين ويقمع ثوراتهم، ولاقى هذا العرض قبولاً من تحتمس، إلا أنه أشترط عليها لكي يقود الجيش وينقذ البلاد أن تتنازل عن عرشها، وبإعادة النظر للموقف وجدت الملكة أن تحتمس يلتف حوله كل من الكهنة ورجال الجيش، كما ازداد الضغط الخارجي من قبل الأعداء، ولن يتم إنقاذ البلاد إلا بتخليها عن العرش لذلك قررت التنازل عنه من أجل إنقاذ البلاد.

إتلاف التاريخ
بعد وفاة الملكة الفرعونية حتشبسوت عمل تحتمس الثالث على محي أثارها وطمسها وادعاء استيلائها على عرش والده، كما حطم تماثيلها، وعلى الرغم من محاولاته لطمس معالم هذه الملكة العظيمة وإتلافها إلا أن خبراء الآثار استطاعوا الكشف عن الكثير من المعالم الدالة على عظمة هذه الملكة من نقوش وأثار وغيرها، ومن أروع ما تم كشفه هو معبد الدير البحري الذي أتى كواحد من أعظم أبنية التاريخ الفرعوني.

معبد الدير البحري

معبد الدير البحري

واحد من أشهر الأماكن الأثرية التي تم تصميمها وبنائها في العصر الفرعوني، والتي أوكلت الملكة حتشبسوت مهمة بنائه للمهندس الملكي "سنموت" والذي كان بينه وبين الملكة الكثير من الحب والإعجاب والإخلاص المتبادل، فشيد لها واحد من أروع الأبنية ليظل أثراً خالداً يدل على روعة المعمار والتصميم الذي تمتع به هذا العصر وهذا المهندس الذي كرمته الملكة بأن سمحت له بحفر مقبرة لنفسه داخل حرم معبدها ليكون بجوارها إلى الأبد.
ويعد هذا المتحف تحفة فنية واحد الآثار التاريخية القيمة التي تركتها حتشبسوت، فيقبع هذا المعبد في باطن الجبل بالبر الغربي، تم إنشائه منذ أكثر من 3500 عام ويتكون من ثلاثة طوابق يضم الطابق الأول صور لصيد الطيور، ونقل المسلات من أسوان إلى المعبد، والثاني تزخرفه الرسوم التي تصف الرحلة التجارية الشهيرة إلى بلاد بونت، أما الطابق الثالث فهو فناء الاحتفالات، ويتوافد على هذا المعبد أفواج من السياح للتمتع بهذا الأثر التاريخي الهام وللأقتراب من حياة واحدة من أعظم ملكات التاريخ.


إن مشكلة الإعجاز العلمي أننا نخاطب به غير المسلمين بالدرجة الأولى، وهؤلاء لا يمكن أن نستشهد لهم بحديث في البخاري أو بآية في القرآن، لأنهم أصلاً غير مقتنعين بالقرآن والسنة لأنهم لو اقتنعوا فإنهم ببساطة سيصبحون مسلمين. ولذلك يجب على الباحثين في الإعجاز العلمي أن يدعموا أي مقالة أو بحث لهم بالدليل المادي الملموس، وهذا أبسط شيء يقدمه الباحث. ولذلك يا أحبتي أقول إن علماء وكالة ناسا لم يتحدثوا أبداً عن انشقاق القمر، وقصة ذلك الشخص الذي سمع من أحد رواد الفضاء أن العلماء اكتشفوا أن القمر قد انشق، لا يوجد إثبات مادي عليها. ولكننا كمؤمنين نقتنع بأن القمر قد انشق وأن المشركين رأوا ذلك بأعينهم وقالوا هذا سحر، ولما سألوا القوافل القادمة من الشام أخبروهم بأنهم رأوا انشقاق القمر، فقالوا إن محمداً سحر الناس جميعاً وقالوا إن سحره لم يقتصر على الجزيرة العربية بل هو مستمر إلى بلاد الشام، ولذلك قال الله تعالى عن ذلك: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) [القمر: 1-2]. ولذلك فإنني كمؤمن لست بحاجة إلى وكالة ناسا ولا إلى غيرها لأقتنع بذلك، لأن مصدر المعلومات لدي هو القرآن والحديث الصحيح، ولكن أعود فأقول لابد من الدليل لنقنع به غير المسلمين. وهناك إشارة علمية ربما تكون مقنعة للبعض. وطبعاً هي إشارة وليست برهاناً علمياً.


إن الذي يتأمل سطح القمر يلاحظ أنه مليء بهذه الشقوق وهي طويلة جداً، ولكن هناك الكثير من هذه الشقوق غاصت في الغبار والتراب القمري، ومن المحتمل لو أن العلماء أزاحوا طبقات الغبار عنها فقد يظهر الشق الذي يدل على أن القمر قد انشق ذات يوم!


فقد كشف علماء وكالة ناسا وجود شق في القمر يبلغ طوله عدة مئات من الكيلومترات، ثم كشفوا عدداً من التشققات على سطح القمر، ولم يعرفوا حتى الآن سبب وجود هذه الشقوق، إلا أن بعض العلماء يعتقدون أنها نتيجة لتدفق بعض الحمم المنصهرة ولكن هذه وجهة نظر فقط. وهناك عدد كبير من التشققات على سطح القمر، وبعض هذه التشققات أشبه "بوصلات لحام" وكأننا أمام سطح معدني تشقق ثم التحم!! وكل ما قاله علماء وكالة ناسا حول هذه الشقوق هو:
(rilles are still a topic of research )ومعنى ذلك أن هذه الشقوق لا زالت قيد البحث. والحقيقة هذه الشقوق حيرت الباحثين حتى الآن ولم يجدوا لها تفسيراً. وكل النظريات التي طُرحت لا تتناسب مع طبيعة الصور الملتقطة، إذ أن الصور تبين وكأن هناك لحَّام ماهر قام بلحام سطح القمر المتمزق! هذا ما تقوله الصور.







صور لشق كبيرة في القمر، واللافت للانتباه الطريقة التي "لُحم" بها هذا الشق، ويقول العلماء إن هذه الشقوق لا مثيل لها على الأرض لأنها طويلة وغريبة بالنسبة لنا وهي تناقض النظريات التي نعرفها في الفيزياء، فما هو سر وجودها وكيف تشكلت ومتى وما هي القوانين التي تحكم هذه العملية... كلها أسئلة تنتظر من يبحث ويجيب عنها.

وفي رحلة الفضاء التي قامت بها وكالة ناسا الأمريكية التقط العلماء عدداً كبيراً من الصور لظاهرة الشقوق القمرية rilles وقد حيرت هذه الصور الباحثين في العالم لم يجدوا لها تفسيراً منطقياً أو علمياً حتى هذه اللحظة.


هذه الصورة التقطت للقمر من قبل وكالة ناسا عام 1969 من ارتفاع 14 كيلو متر عن سطح القمر، وتبين وجود شق يظهر عليه آثار "التحام" فاعتقدوا أن هناك كميات من الحمم المنصهرة تدفقت من خلاله وساهمت بتغليف هذا الشق.

هناك الكثير من الصور تبين وجود آثار أشبه بلحام معدني! وقد احتار الباحثون في سبب هذا الشق واقترح بعضهم أن هناك حمماً منصهرة تدفقت منذ ملايين السنين كما يحدث على الأرض، ولكن هذه الفكرة رُفضت على الفور لأن الحمم التي تتدفق على الأرض لا تشبه في شكلها هذه الحمم. فليس هناك آثار لتحطم أو انهيارات كما يحدث على الأرض. فهذا الشق ذو أطراف حادة وكأنه قُطع بشكل حاد. يقول العلماء إن كل الاقتراحات والنظريات فشلت حتى الآن في تفسير هذه الشقوق والطريقة التي لُحمت بها. ويعتقد بعض العلماء أن هذه "اللحامات" شُكلت بواسطة الحمم المنصهرة التي تدفقت من الشقوق القمرية. ولكن هناك اختلاف عميق بين الحمم المتدفقة على سطح الأرض وبين هذه الوصلات البارزة على سطح القمر فهي ملساء وناعمة وكأنها صُنعت بشكل متقن!!!



هذه الصورة الملتقطة من قبل وكالة ناسا تذكرني بمادة "هندسة اللحام الكهربائي" التي كنا ندرسها وكنا نقوم بوصل قطعتين معدنيتين بواسطة اللحام الكهربائي، وكان شكل وصلة اللحام تشبه بدرجة كبيرة هذه الوصلة على سطح القمر، ولكن الفرق أن هذه الوصلة تمتد لمئات الكيلومترات!! بل إن إحدى الدراسات الجديدة تقترح الطبيعة الكهربائية لهذه الوصلات، لأن شكلها يشبه بدرجة كبيرة وصلات اللحام الكهربائي.


إن تدفق الحمم على سطح الأرض غالباً ما يشكل فوهة أشبه بفوهة البركان ولكن الأمر مختلف على القمر، فهذه القنوات أو الوصلات طويلة جداً وتحتفظ بعرضها وشكلها خلال المسافات الطويلة، وهذا لا نلاحظه على الأرض أبداً. إن هذه القنوات القمرية أو الشقوق القمرية تبدو وكأنها مرسومة ومشكلة بيد ماهرة، فهي انسيابية وقاعها ممهد وأرضيتها ثابتة ولا تشبه أي تضاريس جيولوجية على سطح الأرض أو غيرها من الكواكب المعروفة. وفي تقرير نشره الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي عام 1970 يؤكد أن الطريقة التي تشكلت بها هذه الشقوق تناقض كل النظريات المألوفة!!! وأحد التفسيرات المهمة هي ما يقترحه المهندس Ralph Juergens أن هناك صدمة كهربائية عنيفة جداً، تماماً مثل ضربة البرق وذلك بسبب مؤثر فضائي مجهول (شحنات كهربائية قادمة من الفضاء الخارجي)، اقترب من القمر وأحدث فيه ما يشبه انفراغ شعاع البرق، فأحدث هذه الشقوق ثم عاد فلحمها كما يتم اللحام الكهربائي للمعادن بواسطة التيار الكهربائي.



هذه صورة لشق بطول 125 كيلو متر، وعمق 400 متر، وعرض 1500 متر. ويقول الاختصاصيون إن هذه الشقوق قد غُلِّفت بالحمم المنصهرة والتي تبردت بعد ذلك. وتظهر هذه الصورة قناة عريضة وذات انحناءات متقنة. إن شكل هذه القناة أو هذا الشق يشبه شعاع البرق!! مما يدل على وجود شيء كهربائي مثل البرق أثر على القمر، وقد يكون إشعاعاً قوياً ضرب هذا القمر فشقَّه ثم عاد فالتحم، وهذه طبعاً وجهة نظر.

وقد يقول قائل: كيف يمكن للقمر إن ينشق إلى نصفين كل نصف في جهة، ما الذي أحدث ذلك؟ ولماذا لم ينهار القمر؟ وسيقولون إن هذا لو حدث فإنه يخالف قوانين الفيزياء والجاذبية والكون. ولذلك فإن خلاصة القول: هناك معجزات لا يمكن تفسيرها على ضوء العلوم، وهي معجزات اختص الله بها أنبياءه عليهم السلام، مثل معجزة العصا التي تنقلب ثعباناً على يد سيدنا موسى عليه السلام، ومثل معجزة إحياء الموتى على يد سينا المسيح عليه السلام، ومثل إحضار عرش ملكة سبأ خلال أجزاء من الثانية ... فهذه المعجزات لا يمكن أن نفسرها علمياً، وهي وسيلة لاختبار إيمان المؤمن. ونحن كمؤمنين نشهد بأن هذه المعجزات صحيحة، تماماً كما قال سيدنا إبراهيم عليه السلام: (قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [الأنبياء: 56]، مع أن إبراهيم لم يشاهد خلق السموات والأرض إلا أن العقل والمنطق يقول بأن الله هو الذي فطر وخلق هذا الكون. إخوتي في الله! مهما يكن سبب هذه الشقوق، ومهما تكن طبيعة تشكلها، إلا أن العلماء لا يشكّون أبداً في وجودها، وهي دليل مادي على وجود انشقاق في سطح القمر، ويكفي أن نعلم أن القرآن أشار إلى ذلك بقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر: 1]. ولا بد أن يكشف العلم هذه الحقيقة يوماً ما لتكون معجزة تشهد على صدق هذا الدين.